أود مناقشة موضوع معك قد يكون حساسًا قليلاً. دعيني أقول هذا ببساطة: الولادة الطبيعية بعد القيصرية لا تضمن نتيجة رائعة؛ يمكن للإجهاد الناتج عن الولادة أن يكون له تأثير طويل المدى. علاوة على ذلك، إذا كنت قد احتجت إلى عملية قيصرية مكررة، لعل هذه العملية هي أكثر القرارات استقرارا و طمأنينة قد خضتيها.
قد تعتقدين أنني كمهنية داعمة للولادات الطبيعية ومثقفة ولادة تعارض القيصريات غير الضرورية، يتعارض ذلك مع كل ما أؤمن به. دعيني أوضح لك أكثر. في بعض الأحيان تقلل الأمهات من شدة الصدمة المرتبطة بالولادة لأنهم لا يزالون في مرحلة ما بعد الولادة. من السهل تجاهل الأمور وتبريرها بأنها “كآبة ما بعد الولادة” أو الهرمونات أو أي عدد من الأعذار الأخرى.
قد تكون الولادة الطبيعية والقيصرية في كثير من الأحيان تجربة صدمة أو تؤدي الى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) للأمهات. يتناول هذا المقال تحديداً الصدمة الناتجة عن الولادة و مرحلة الاستشفاء واستراتيجيات التعامل معها. تحديد الصدمة الناتجة عن الولادة: الولادة لا يمكن التنبؤ بها، إنها غير متوقعة. قد تكون فوضوية جداً أو قد تكون بصورة مثالية جميلة. يمكن أن تكون لديك مجموعة واسعة من المشاعر، سواء جيدة أو سيئة، في الوقت ذاته.
ليست كل الولادات الطبيعية رائعة وجميلة ، وليست كل القيصريات مؤلمة. ومع ذلك ماذا تعني الصدمة الناتجة عن الولادة في الواقع؟ كيف يمكنك أن تعرفي ما إذا كنت تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة الشديد (PTSD) أو الاكتئاب أو القلق؟
على الرغم من أن اكتئاب ما بعد الولادة والصدمة الناتجة عن الولادة لهما بعض التشابهات، إلا أنهما شيئان مختلفان تمامًا عن بعضهما البعض ويتطلبان نهجًا علاجيًا مختلفًا. قد يكون معالجة كلتا الحالتين بمساعدة طبية جزءًا من عملية الشفاء لأن الصدمة الناتجة عن الولادة واضطرابات الاكتئاب الناتجة عن الولادة أمر شائع.
يُشار إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) عادةً باسم الصدمة الناتجة عن الولادة، يمكن أن يصيب PTSD أي شخص بعد أي حادث مؤلم. من الضروري أن نتذكر أن الصدمة تنتمي إلى الشخص الذي عاشها أو شاهدها؛ لا يلزم الآخرون دائمًا إلى أن يجدوا الحادث مزعجًا.
الأعراض الرئيسية للصدمة الناتجة عن الولادة (PTSD) وفقًا لجمعية الطب النفسي الأمريكية، تشمل أربعة أعراض رئيسية للPTSD:
• أفكار متكررة تجعلك تشعرين بالخوف أو القلق أو الارتباك، مثل إعادة عيش حدث الولادة من خلال الأحلام أو الأفكار غير المتحكم فيها أو الفلاش باك.
• ردود أفعال و سرعة في الاستثارة: تشمل الشعور بالتوتر والانزعاج طوال الوقت، بالإضافة إلى اليقظة والجاهزية المفرطة. تتضمن هذه الأعراض الرئيسية أيضًا صعوبة التركيز وصعوبة النوم.
• المشاعر والأفكار السلبية، مثل الشعور العام بالحزن والكآبة. ربما حتى وضع اللوم أو الشعور بالذنب على نفسك لما حدث. قد لا تتمكني حتى من تذكر بعض جوانب الحدث.
• التنبه الشديد لمنع الصدمة من الاستحضار في العقل. قد يتضمن ذلك اتخاذ مسارات بديلة لتجنب المرور بالمكان الذي ولدت فيه، أو الابتعاد عن روائح معينة، أو مغادرة الغرفة عندما تشارك أم أخرى قصتها الخاصة بالولادة.
الاستجابة الدماغية التي لا تكون طوعية ترتبط بشكل أساسي بتجربة الولادة. ودرجة التدخلات والإجراءات التي حدثت في الولادة وانطباعك عن الرعاية هما علامتان رئيسيتان للصدمة الناتجة عن الولادة. إذا كانت الأم تعاني من PTSD بعد الولادة يعتمد ذلك أكثر على كيفية “تصورها” لنفسها أثناء الوجود في المستشفى وكيفية تعامل المقدبين منها معها، أكثر من أي شيء آخر.
ما الذي يصيب المواليد بالصدمة أثناء الولادة؟
يزعم الباحثون الذين يدرسون PTSD بعد الولادة أن تجربة الولادة المؤلمة تضع الدماغ في حالة من التفاعل المفرط والهروب أو القتال: تصبح (الأمغدالية) في الدماغ، التي تساعد عادة في تخزين الذاكرة، أكثر استجابة، مبالغةً في مشاعر الرهبة. يتوقف الدماغ عن العمل في المناطق التي تكبح الأمغدالية عادةً. يختبر المريض ذكرى مرعبة بشكل استثنائي تبدو وكأنها تحدث الآن عندما يثير شيء ذكريات تجربته الفظيعة. إن الصدمة الناتجة عن الولادة وPTSD هما حالتان معقدتان تجرى عليهما الأبحاث حاليًا ليتم تحلليهم وفهمهم. ومع ذلك، يمكن أن تؤثر العديد من العوامل على صحة الأم النفسية بعد الولادة.
عوامل تأثير الصدمة الناتجة عن الولادة:
الرعاية أو العناية المتوقعة: تؤثر تجربة العناية الطبية على مشاعر الأم تجاه الولادة. المشاعر السلبية المتعلقة بالتجربة يمكن أن تتطور إلى صدمة الولادة إذا شعرت الأم بالتجاهل أو اذا تم تجاهل رغباتها.
العنف أثناء الولادة أو المعاملة السيئة من قبل الطاقم الطبي: العنف يتكرر للأسف، وفي بيئة الولادة يتم تبريره. تشمل التقارير الشائعة للعنف: الفحوصات المهبلية الروتينية والمتكررة بدون سبب؛ الاستخدام المتكرر للأكسيتوسين لتسريع الولادة؛ رفض وجود مرافق باختيار الأم؛ تجاهل الإجراءات المختلفة التي تُجرى خلال الرعاية؛ القيصريات غير الضرورية؛ حرمانها الأكل والشرب والمشي أو الحركة؛ الشق المهبلي بدون موافقة الأم؛ ولعديد من التدخلات. في النهاية، يمكن أن تتسبب أي من هذه الأحداث في أذى عاطفي وعقلي وجسدي لا يمكن عكسه.
التغييرات المفاجئة في الخطط أو التوقعات: عندما تحدث الأمور بسرعة وتتحول إلى شيء غير متوقع وغير مرغوب فيه، مثل القيصرية، فقد يزيد ذلك من ردة الفعل لدى الأم. عندما يحتاج أعضاء الطاقم الطبي إلى التصرف بسرعة لإنقاذ حياة، قد لا يكون هناك وقت كافٍ لمناقشة الخيارات أو مناقشة الحلول.
عدم فعالية المسكنات: غالبًا ما نسمع تجارب من الأمهات الذين لم تعمل مسكنات الألم تمامًا أو جزئيًا على الإطلاق. إما أن يتم وضعهم تحت التخدير العام أو يتم تجاهلهم و هم يشعرون بالقيصرية بالكامل. يُعتبر هذا موقفًا مثاليًا للتعبير عن الضغط الناتج عن الولادة.
التدخلات: يمكن أن تكون هذه الحالات غير المتوقعة وغير المستعد لها صعبة الفهم، حتى عند الحاجة لاتخاذ إجراءات. هناك حالات يكون من المستحيل تجنب استخدام التدخلات مثلاً للمساعدة في خروج رأس الطفل العالق، عندما يعلق كتف الطفل بالحوض، الولادة المستعرضة، أو صعوبات الولادة الأخرى. لا يتطلب التدخل الجراحي في كثير من الحالات، ويمكن استخدام إجراءات أخرى لمساعدة الأمهات اللواتي يواجهن ولادة صعبة اقل تأثيرات جانبية سلبية. من المؤلم جدًا للأم اكتشاف أن هذه التدخلات كان يمكن تجنبها.
مدة الولادة: يمكن للأم أن تعاني بشدة من ولادة طويلة و شاقة. يمكن أن تؤثر الراحة الغير كافية والتغذية السيئة بشكل كبير على كيفية تذكر الأم لولادتها.
خسارة الجنين (الإجهاض) أو ولادة طفل ميت: إجهاد الولادة لا ينحصر فقط في التجارب الطبيعية للولادة، بل يمتد أيضًا إلى الخسارة مثل الإجهاض. يمكن لهذه التجارب الصادمة أن تترك آثارًا عميقة على الأمهات، مما يؤدي في بعض الحالات إلى صدمة الولادة وحتى إلى اضطراب ما بعد الصدمة. علاوة على ذلك، فإن عدم وجود تواصل كافٍ أو غيابه بين الأم والشريك والطاقم الطبي يمكن أن يزيد من الشعور بالعزلة، مما يؤدي إلى تفاقم الصدمة والضغط النفسي.
الخوف هو عامل آخر يسهم في تصاعد الضغوطات والمشاعر السلبية خلال عملية الولادة. ومن الضروري بذل الكثير من الجهد لمواجهة هذه المخاوف والتحضير النفسي للولادة من خلال البحث عن الدعم والمساعدة المناسبين.
بالنسبة للأمهات الجدد، يمكن أن تؤدي صدمة الولادة إلى آثار سلبية متعددة، بعضها مستمر. لذا من الضروري البحث عن علاج ودعم مناسبين للتخفيف من هذه الأعراض وبدء عملية الاستشفاء.
تحتاج الأمهات اللاتي يواجهن تجارب ولادة مؤلمة إلى الدعم والمساعدة المناسبين للتعافي. يمكن الحصول على هذا الدعم من خلال الاستشارة مع الطبيب المختص، وكذلك من خلال التحدث مع أفراد العائلة والأصدقاء الموثوق بهم، أو التواصل مع أمهات أخريات قد مروا بتجربة مماثلة.
من الأمور التي نواجهها الأمهات بعد تجربة الولادة الصادمة:
الشعور بالوحدة: يمكن أن تترك صدمة الولادة الأمهات في عزلةً اجتماعية، بحيث يجدون صعوبة في الوصول إلى الرعاية والدعم. بدون وجود شخص يمكنه التعاطف معك بشأن تأثيرات تجربة الولادة الصادمة، يمكن أن تكون العزلة مكانًا محبطًا.
الشعور بالذنب: غالبًا ما تشعر الأمهات بالذنب بعد تجربة ولادة صعبة، وقد يكونون عرضة للشعور بأنهم فشلوا في حماية أجسادهم أو أطفالهم في هذه التجربة. يمكن أن يثقل الشعور بالذنب هذا العبء النفسي بشكل كبير، حتى يمكن أن يؤثر على العلاقات الشخصية والأسرية.
رفض الحمل مجددًا: قد تحد بعض الأمهات صعوبة في اتخاذ القرار بشأن الحمل مجددًا بعد تجربة ولادة مؤلمة. يمكن أن يترددن بين الرغبة في الحصول على المزيد من الأطفال وبين الخوف من تكرار التجربة الصعبة.
العلاقات المتوترة: عندما يفتقر الدعم، يمكن أن يؤثر ذلك على العلاقات العائلية ويزيد من التوتر بين الأفراد. قد يصبح الوالدان أقل اهتمامًا بالحميمية، مما يمكن أن يؤدي إلى توتر الروابط العاطفية والجسدية.
تجنب المحفزات: قد تقرر بعض الأمهات تجنب الأماكن أو الظروف التي قد تثير ذكريات تجربة الولادة الصادمة. يمكن أن يتضمن ذلك تجنب الإجراءات الطبية الضرورية والفحوصات الطبية لتجنب إعادة تذكر الأحداث و عيش اللحظة مرة أخرى.
صعوبات في الترابط: قد يكون التحدي الرئيسي لبعض الأمهات هو الصعوبات اليومية التي يواجهونها عند محاولة تكوين رابط مع مولودهم الجديد، الذي ينظرون إليه كتذكير مستمر بتجربتهم الصادمة.
للتعافي من تجربة ولادة مؤلمة، أشجع الأمهات على البحث عن المساعدة المناسبة والدعم النفسي. يمكن أن يكون هذا الدعم في شكل استشارة مع متخصصين في علاج صدمة الولادة أو اضطراب ما بعد الصدمة، أو من خلال التحدث مع الأصدقاء والعائلة الموثوق بهم، أو من خلال الانضمام إلى مجتمعات داعمة على الإنترنت.
هناك مجموعة واسعة من الموارد على الإنترنت المتاحة للمساعدة في تحديد وعلاج صدمة الولادة، ها هي بعض الموارد للنساء اللواتي يعانين من اضطراب ما بعد الصدمة أو صدمة الولادة:
PATTCH (الوقاية والعلاج من الولادة الصادمة): تهدف إلى توسيع الوعي وزيادة الوصول إلى التعليم المتعلق بصدمة الولادة.
Birth Trauma Association جمعية صدمة الولادة: تقدم جمعية صدمة الولادة دعمًا للنساء اللواتي يعانين من اضطراب ما بعد الولادة أو صدمة الولادة. يقدمون النصائح والدعم لجميع النساء اللواتي يجدن صعوبة في التعامل مع تجربتهن الولادية.
Postpartum Support International الدعم الدولي لما بعد الولادة: تعمل منظمة PSI على زيادة الوعي بين المجتمعات العامة والمهنية حول التغيرات العاطفية التي تواجهها النساء أثناء الحمل وما بعد الولادة.
